كرة القدم
تقلبات القامة البشرية: ما هي المحطات التاريخية التي أحدثت الفارق الأكبر؟
نحن اليوم أطول بنحو 10 سنتيمترات مما كنا عليه قبل 100 عام، لكن هذا الارتفاع لم يكن مساراً تصاعدياً سلساً طوال الوقت.
صدر الصورة، tetyanka, NGUYEN THI NHI, Klaus Vedfelt, George Marks via Getty Images
ما مدى طول قامتك مقارنة بأجدادك (من الجيل الثالث)؟ من المرجح جداً أن تكون أطول منهم بشكل ملحوظ.
تشير بيانات نشرتها مؤسسة (عالمنا في بيانات - Our World in Data) إلى أن الشباب في مختلف أنحاء العالم اليوم يزيدون في المتوسط بنحو 10 سنتيمترات عن أسلافهم الذين عاشوا قبل 100 عام.
وكشفت دراسة أُجريت عام 2016 - قارنت بين أشخاص وُلدوا في عامي 1896 و1996- أن النساء في كوريا الجنوبية والرجال في إيران سجلوا أكبر زيادة في الطول، إذ زادت قامتهم بمقدار 20 سنتيمتراً و17 سنتيمتراً على التوالي.
وتُعزى هذه الزيادة إلى تحسن الأنظمة الغذائية، والظروف الصحية المتعلقة بالأمراض، وتوفر اللقاحات، وعوامل أخرى عديدة، وذلك وفقاً لما ذكرته الدكتورة أرافيندا غونتوبالي، وهي محاضرة أولى في مجال الصحة العالمية في جامعة أبردين في اسكتلندا.
لكن مسار تطور القامة البشرية لم يكن دائماً في صعود مستمر وسلس؛ فعلى مر آلاف السنين، أدت عوامل مثل النظام الغذائي، والحروب، والأمراض، وتغيرات مجتمعية كبرى أخرى، إلى تفاوت وتقلبات في طول قامة البشر.
صدر الصورة، plan shooting2 / Imazins via Getty Images
يقول الباحثون إن الطول يمكن أن يكشف لنا الكثير عن مستويات المعيشة في الحالات التي تغيب فيها أنواع أخرى من البيانات التاريخية أو الإحصائية.
ويقول الدكتور ماتياس بلوم، المؤرخ الاقتصادي والأستاذ الفخري للممارسة المهنية في جامعة كوينز بلفاست في أيرلندا الشمالية إن "الطول يُعد مؤشراً جيداً على مستوى الرفاهية".
وتشير الدراسات إلى أن العوامل الوراثية تحدد ما يصل إلى 80 في المئة، أو حتى 90 في المئة، من طول الإنسان.
لكن بقية العوامل - وإن كانت محدودة الأثر - فتتأثر بأمور مثل التغذية، والتعرض للأمراض، وبيئة النشأة في مرحلة الطفولة، ومدى توفر الرعاية الصحية.
ويقول بلوم إن "القامة الأطول تعكس مستويات معيشية أعلى".
ولتفسير التباين الجيني، يوضح أن الباحثين يدرسون متوسط الطول لدى مجموعات سكانية كبيرة للكشف عن اتجاهات وتفاوتات لا تظهرها مقاييس أخرى، مثل الناتج المحلي الإجمالي.
يبرز تاريخياً، تحولان مفصليان وفقاً لما يذكره بلوم.
ويتمثّل التحول الأول في (الثورة النيوليثية - العصر الحجري الحديث)، حين انتقل البشر من الصيد والجمع إلى الزراعة قبل نحو 10,000 إلى 12,000 عام.
ولدراسة الاتجاهات التي تعود إلى تلك الحقبة السحيقة، يعتمد الباحثون على بيانات الهياكل العظمية، وهي بيانات تنطوي على بعض أوجه القصور؛ ومع ذلك، يتفق معظمهم على أن ظهور الزراعة أدى إلى قصر القامة.
وعند أخذ التباين الجيني في الحسبان، قدّرت دراسة أُجريت عام 2022 أن أفراد العصر الحجري الحديث كانوا -في المتوسط- أقصر قامة بمقدار 2.8 سم عما كان متوقعاً مقارنة بأسلافهم من عصور ما قبل ذلك العصر.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
جلب التحول إلى الزراعة إمدادات غذائية أكثر استقراراً، لكن ليس بالضرورة تغذية أفضل.
وكان لدى الصيادين وجامعي الثمار المزيد من المنتجات الحيوانية في وجباتهم الغذائية، وهو ما يقول بلوم إنه أمر أساسي.
ويقول إن "الأمر يتعلق هنا بما إذا كان الإنسان يواجه خطر المجاعة أم لا، وبناءً على ذلك، فإن تناول المزيد من المنتجات الحيوانية يعد فكرة جيدة لأنه من الضروري حقاً أن تحصل على هذه الأحماض الأمينية".
ويقول بلوم إن جماعات الصيادين وجامعي الثمار، إلى جانب تمتعهم بتغذية أفضل، كانوا قادرين على التنقل من مكان إلى آخر، تاركين مخلفاتهم وراءهم، على عكس المزارعين الذين لم تكن لديهم هذه الحرية في التنقل. لقد عانوا من الأمراض المعدية و"كان عليهم أن يعملوا بجد، وصيانة منازلهم ومواشيهم، ويعيشون بجوار الحيوانات".
وعلى مدى آلاف السنين التي تلت ذلك، ارتفعت معدلات القامة وانخفضت في مناطق مختلفة، لكن - وفقاً لبلوم - غالباً ما كانت تلك التغيرات غير دائمة.
ويقول إنه "لفترة طويلة، لن تجد اتجاهاً واضحاً للارتفاع أو الانخفاض. فهناك مجاعات، وهناك حروب، لكن السكان ينتعشون مرة أخرى بعد ذلك".
كان لبعض الأزمات عواقب غير متوقعة؛ إذ تُظهر تقديرات الطول في الفترة التي تلت الموت الأسود، وهي جائحة طاعون أودت بحياة ما يصل إلى نصف سكان أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر- زيادة في معدلات الطول.